الشيخ محمد رشيد رضا

238

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( إعراب الآية الثانية الذي اضطرب فيه النحاة ) قد تبين مما فصلناه ان الذين عدوا الآيتين في غاية الصعوبة لمخالفة مذاهبهم لهما مخطئون ، وان الواجب رد المذاهب اليهما لا تأويلهما لتوافقا المذاهب ، وأما الذين استشكلوا اعراب جملة من الآية الثانية ، وعدوا لأجلها الآية أو الآيات في غاية الصعوبة - فإنما أوقعهم في ذلك احتمال التركيب لعدة وجوه من الاعراب ، بما فيه من تعدد القراءات ، مع اعتيادهم تقديم الاعراب على المعنى وجعله هو المبين له ، وقد استحسنا بعد ايضاح تفسير الآيات بما تقدم ان نذكر ملخص ما قيل في إعراب تلك الجملة نقلا عن ( روح البيان ) الذي يلتزم تحقيق المباحث النحوية في جميع الآيات ، عسى ان يستغني القارئ به عن مراجعة تفسير آخر . ونبدأ بجواب الشرط لأنه مبدأ ما استشكلوه من الاعراب . قال المؤلف رحمه اللّه تعالى : ( فآخران ) أي فرجلان آخران وهو مبتدأ خبره قوله تعالى ( يَقُومانِ مَقامَهُما ) والفاء جزائية وهي احدى مسوغات الابتداء بالنكرة ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته وهو قوله سبحانه ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) وقيل هو خبر مبتدإ محذوف أي فالشاهدان آخران ، وجملة يقومان صفته والجار والمجرور صفة أخرى . وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من ضمير يقومان ، وقيل هو فاعل فعل محذوف أي : فليشهد آخران . وما بعده صفة له . وقيل مبتدأ خبره الجار والمجرور والجملة الفعلية صفته وضمير « مقامهما » في جميع هذه الأوجه مستحق للذين استحقا ، وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام الحبس والتحليف . واستحق بالبناء للفاعل على قراءة عاصم في رواية حفص عنه وبها قرأ علي كرم اللّه تعالى وجهه وابن عباس وأبي رضي اللّه تعالى عنهم ، وفاعله « الْأَوْلَيانِ » والمراد من الموصول أهل الميت ، ومن الأوليين الاقربان اليه الوارثان له الاحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما ، وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا اثما ، الا أنه أقيم المظهر مقام ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف ، ومفعول استحق محذوف